فوزي آل سيف

46

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

فقال له يحيى بن أكثم: لا والله ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: «هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له». قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟![99] ملاحظات وفوائد: 1/ من أولى تلك الملاحظات أن نقل الخبر بتفاصيله وحيثياته يصدق بعضه بعضاً ويؤكد كل قسم منه القسم الآخر حيث يلاحظ دارس المتن ذلك، كما أن الناقل له بحسب السند الأول هو الريان بن شبيب وقد أشرنا في الهامش إلى موقعه من القصر العباسي والبيت العلوي. 2/ إن هذه الحادثة لآثارها التي تحرج مدرسة الخلفاء - مثلما أحرجت الطرف المناوئ للأئمة في البيت العباسي - قد تم التعتيم عليها، تارة بعدم نقلها أصلها، حتى أن من نقلها وهو سبط ابن الجوزي نقل أربعة أسطر عنها ناسباً إياه إلى الشيخ المفيد باعتبارها من روايات الإمامية وكأنه يشير من طرف خفي إلى أنها لا ينبغي أن يصدقها غيرهم! وأخرى بتكذيبها صراحة كما فعل ابن تيمية الحراني في كتابه منهاج السنة، فقال مثلا: «يحيى بن أكثم أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيداً، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة». ونقول: بأن فقه يحيى وأمثاله لما كان في خدمة سلاطين الوقت وأرباب المال فهو يدور معهم كما يلاحظ من سيرته وسيرتهم هذا عن يحيى. وأما عن المسألة فقد كانت مدار بحث عند الفقهاء[100]وهي بمثابة جس نبض ليعرف السائل مستوى المسؤول والمجيب.

--> 99 المفيد: الإرشاد ٢/ ٢٨٧ ونقل هذا القسم الأخير - مقتصرا عليه - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤) في كتابه الصواعق المحرقة ٢/‏٥٩٨ 100 فها هو أبو القاسم البغوي، (ت ٣١٧) ينقلها في كتابه: جزء في مسائل عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل ١/‏٣٢ عن أحمد، ويرويها قائلا: «وسَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ سَنَةَ ثَمانٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وسُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا؟! قالَ: يُكَفِّرُها فِي القُرْآنِ..» وهذا التاريخ قريب جدا من تاريخ المحاورة والمباحثة.. فإذا كانت عديمة الأهمية إلى هذه الدرجة التي يراها ابن تيمية فما معنى أن ينقلها راو عن محدث أو فقيه؟ ويتبين اختلافهم في حكمها في بعض المصادر ففي موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي ١/‏٣٥٧ قال محمد نعيم ساعي «جمهور الفقهاء بل جماهيرهم على أن المحرم إذا قتل صيدًا عمدًا أو خطأً أو ناسيًا لزمه الجزاء، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. وقال مجاهد: إن قتله خطأً أو ناسيًا لإحرامه لزمه الجزاء وإن قتله عمدًا ذاكرًا لإحرامه فلا جزاء. وبه قال الحسن البصري». غير أن صاحب كتاب الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر ٣/‏٢٢٩ — ابن المنذر (ت ٣١٩) قال: واختلفوا فيمن قتل صيدًا خطأ وهو محرم، فقالت طائفة: لا شيء عليه، كذلك قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاووس، وأبو ثور. وكذلك نقول. وقال الحسن البصري، وعطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: عليه الجزاء. ونقول: أين ما قاله ابن تيمية من أن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة، ثم قوله فيما بعد فإن التشقيق مع عدم اختلاف الحكم لا فائدة فيه! أو أنها اللجاجة والعناد؟